فخر الدين الرازي

53

تفسير الرازي

ثم قال * ( وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) * تسلية لأنفسهم ، أي نحن خرجنا عن عهدة ما علينا وحثاً على النظر ، فإنهم لما قولوا : * ( ما علينا إلا البلاغ ) * كان ذلك يوجب تفكرهم في أمرهم حيث لم يطلبوا منهم أجراً ولا قصدوا رياسة ، وإنما كان شغلهم التبليغ والذكر ، وذلك مما يحمل العاقل على النظر و * ( المبين ) * يحتمل أموراً أحدها : البلاغ المبين للحق عن الباطل ، أي الفارق بالمعجزة والبرهان وثانيها : البلاغ المظهر لما أرسلنا للكل ، أي لا يكفي أن نبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين وثالثها : البلاغ المظهر للحق بكل ما يمكن ، فإذا تم ذلك ولم يقبلوا يحق هنالك الهلاك . * ( قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) * ثم كان جوابهم بعد هذا أنهم قالوا إنا تطيرنا بكم وذلك أنه لما ظهر من الرسل المبالغة في البلاغ ظهر منهم الغلو في التكذيب ، فلما قال المرسلون : * ( إنا إليكم مرسلون ) * ( يس : 14 ) قالوا : * ( إن أنتم إلا تكذبون ) * ( يس : 15 ) ولما أكد الرسل قولهم باليمين حيث قالوا : * ( ربنا يعلم ) * ( يس : 16 ) أكدوا قولهم بالتطير بهم فكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين ، وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب ، حالفين مقسمين عليه ، و " اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع " فتشاءمنا بكم ثانياً ، وفي الأول كما تركتم ففي الثاني لا نترككم لكون الشؤم مدركنا بسببكم فقالوا : * ( لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ) * وقوله لنرجمنكم يحتمل وجهين أحدهما : لنشتمنكم منا لرجم بالقول وعلى هذا فقوله : * ( وليمسنكم ) * ترق كأنهم قالوا ولا يكتفي بالشتم ، بل يؤدي ذلك إلى الضرب والإيلام الحسي وثانيهما : أن يكون المراد الرجم بالحجارة ، وحينئذٍ فقوله : * ( وليمسنكم ) * بيان للرجم ، يعني ولا يكون الرجم رجماً قليلاً نرجمكم بحجر وحجرين ، بل نديم ذلك عليكم إلى الموت وهو عذاب أليم ، ويكون المراد لنرجمنكم وليمسنكم بسبب الرجم عذاب منا أليم ، وقد ذكرنا في الأليم أنه بمعنى لمؤلم ، والفعيل معنى مفعل قليل ، ويحتمل أني قال هو من باب قوله : * ( عشية راضية ) * ( الحاقة : 21 ) أي ذات رضا ، فالعذاب الأليم هو ذو ألم ، وحينئذٍ يكون فعيلاً بمعنى فاعل وهو كثير . * ( قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَءِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ) * ثم أجابهم المرسلون بقولهم : * ( قالوا طائركم معكم ) * أي شؤمكم معكم وهو الكفر . ثم قالوا : * ( أئن ذكرتم ) * جواباً عن قولهم : * ( لنرجمنكم ) * يعني أتفعلون بنا ذلك ، وإن ذكرتم أي بين لكم الأمر بالمعجز والبرهان * ( يل أنتم قوم مسرفون ) * حيث تجعلون من يتبرك به كمن